الشيخ محمد رشيد رضا
378
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وجملة القول إن مذهب السلف الصالح وجوب الايمان بكل ما وصف اللّه تعالى به نفسه في كتابه وما صح من وصف رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم له على ظاهره من غير تعطيل للمعنى اللغوي يجعله كاللغو ، ولا تمثيل بتشبيه للّه بخلقه يعد من النقص ، ولا تأويل يخرج الظاهر المتبادر عن معناه بمحض الرأي . واعلم أيها القارئ أن الخواطر التي تعرض لبعض الناس مما لا يليق به تعالى لا تنقض إيمان الموقن بكتابه وصدق رسوله المتبع لهما ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة فيمن يوسوس له الشيطان : من خلق اللّه ؟ وفيمن أوصى بحرق جثته لئلا يبعثه اللّه ويعذبه . قال عبد اللّه بن مسعود ( رض ) سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوسوسة فقالوا ان أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حمة ( اي فحمة ) أو يخر من السماء إلى الأرض أحب اليه من أن يتكلم به ؟ قال « ذلك محض الايمان » رواه مسلم ، يعني ان الوسوسة لا يسلم أحد منها وان كراهة المؤمن لها دليل على إيمانه المحض الخالص هذا وان أكثر كبار النظار من المتكلمين قد رجعوا إلى مذهب السلف في الايمان بظاهر النصوص وفي مقدمتهم إمام الحرمين كما نقله عنه الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري ( من كتاب التوحيد ) ومن قبله والده الامام الجويني الذي نقل السبكي في ترجمته أن علماء عصره قالوا لو بعث اللّه تعالى نبيا في هذا العصر لكان الجويني ، ومن بعدهما أبو حامد الغزالي في آخر عمره ، ونقل مثل هذا عن الفخر الرازي أيضا رحمهم اللّه ورحمنا ، وعفا عنهم وعنا ، وقد صرح الغزالي من قبل رجوعه إلى مذهب السلف أن علم الكلام ليس من علوم الدين وانما هو لحراسة العقيدة كالحرس للحاج ( وأقول ) انما راجت كتبه في عصرهم ، لأنها وضعت للرد على ملاحدتهم ومبتدعتهم ، ولا تنفع في الرد على ملاحدة هذا العصر ولا مبتدعته كما بيناه مرارا ، وأما تلقين المسلمين أنفسهم للعقائد وقواعد الاسلام فيجب أن يعتمد فيها على آيات القرآن والمأثور في الأحاديث وسيرة الصحابة وعلماء التابعين وأئمة الهدى قبل ظهور البدع ، ومن أكبر الضلال أن يعتمد فيها على أقوال المتكلمين ، فتجعل أصلا ترد إليها آيات القرآن المبين ، إيثارا لبيانهم على بيانه ، وإن تعجب فعجب جعلهم عقيدة السنوسية الصغرى الأساس الأول لتعليم